أحمد بن محمد القسطلاني
253
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
المهملة وتشديد المثناة التحتية ، وهو المطر الذي يصوب ، أي ينزل ويقع . وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير ، فدلّ على أنه نوع من المطر شديد هائل ، ولذا تممه بقوله : ( نافعًا ) صيانة عن الأضرار والفساد . ونحوه قول الشاعر : فسقى ديارك غير مفسدها . . . صوب الربيع وديمة تهمي لكن نافعًا في الحديث أوقع وأحسن ، وأنفع من قوله : غير مفسدها . قال في المصابيح : وهذا ، أي قوله : " صيّبًا نافعًا " كالخبر الموطئ في قولك : زيد رجل فاضل ، إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها ، ولولا هي لم تحصل الفائدة . هذا إن بنينا على قول ابن عباس : إن الصيب هو : المطر . وإن بنينا على أنه : المطر الكثير ، كما نقله الواحدي ، فكل من : صيبًا ونافعًا مقصود ، والاقتصار عليه محصل للفائدة اه - . وللمستملي : اللهم صبّا بالموحدة المشددة من غير مثناة من الصب ، أي : يا الله اصببه صبّا نافعًا . ( تابعه القاسم بن يحيى ) بن عطاء المقدمي الهلالي الواسطي ، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة ( عن عبيد الله ) العمري المذكور ، يعني : بإسناده قال الحافظ ابن حجر : ولم أقف على هذه الرواية موصولة . ( ورواه ) أي الحديث المذكور ( الأوزاعي ) ، عبد الرحمن بن عمرو ، وفيما أخرجه النسائي في : عمل يوم وليلة ، وأحمد : لكن بلفظ : هنيئًا بدل نافعًا . ( و ) رواه ( عقيل ) بضم العين وفتح القاف ، ابن خالد ، فيما ذكره الدارقطني ، ( عن نافع ) مولى ابن عمر كذلك ، وغاير بين قوله : تابعه ، ورواه ، لإفادة العموم في الثاني لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة أم لا ، أو : للتفنن في العبارة . والحديث فيه رازيان ، والثلاثة مدنيون . وفه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية ، والتحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه النسائي في : عمل يوم وليلة ، وابن ماجة : في الدعاء . 24 - باب مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ ( باب من تمطّر في المطر ) بتشديد الطاء كتفعل ، أي : تعرض للمطر ، وتطلب نزوله عليه ( حتى يتحادر ) المطر ( على لحيته ) لأنه حديث عهد بربه كما في مسلم أي : قريب العهد بتكوين ربه ، ولم تمسه الأيدي الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى . ولله در القائل : تضوع أرواح نجد من ثيابهم . . . عند القدوم لقرب العهد بالدار 1033 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : " أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَ الْمَالُ ، وَجَاعَ الْعِيَالُ ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا . قَالَ : فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ . قَالَ : فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ . قَالَ : فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى . فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا . قَالَ : فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ ، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي - وَادِي قَنَاةَ - شَهْرًا ، قَالَ : فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ " . وبالسند قال : ( حدّثنا محمد ) ولأبوي ذر ؟ والوقت ، وابن عساكر : محمد بن مقاتل ( قال : أخبرنا عبد الله ) ولأبي ذر : عبد الله بن المبارك ( قال : أخبرنا الأوزاعي ) أبو عمرو ، عبد الرحمن ( قال : حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ) المدني ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( أنس بن مالك ) رضي الله عنه ( قال ) : ( أصابت الناس سنة ) بفتح السين أي : شدة وجهد من الجدب ، فاعل مؤخر ، ( على عهد رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فبينا ) بغير ميم بعد النون ( رسول الله ) ولأبي ذر : النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يخطب على المنبر يوم الجمعة ، قام أعرابي ) من أهل البدو ، لا يعرف اسمه ( فقال : يا رسول الله ! هلك المال ) ألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع . وإنما جمع وإن كان اسم جنس ، لاختلاف أنواعه ، وهو : كل ما يتملك وينتفع به . والمراد به هنا : مال خاص ، وهو ما يتضرر بعدم المطر من الحيوان والنبات ، لكن لا مانع من حمله على عمومه على معنى : أن شدة الغلاء تذهب أموال الناس في شراء ما يقتاتون به ، فقد هلكت الأموال . وإن اختلف السبب . ( وجاع العيال ) لقلة الأقوات أو عدمها بحبس المطر ( فادع الله لنا أن يسقينا ) . ( قال ) أنس : ( فرفع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه ) أي : حتى رئي بياض إبطيه ( وما في السماء قزعة ) بفتحات ، قطعة من سحاب ( قال ) أنس : ( فثار السحاب ) بالمثلثة ، وفى نسخة اليونينية : سحاب ، أي : هاج ( أمثال الجبال ) لكثرته ( ثم لم ينزل ) عليه الصلاة والسلام ( عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ) المقدسة ، وهذا موضع الترجمة ، لأن تفعّل ، في قوله : تمطر ، كما قال في الفتح : الأليق به هنا أن يكون بمعنى مواصلة العمل في مهلة ، نحو : تفكّر . وكأن المؤلّف أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته عليه